عزيزي عمر

أشكرك جزيل الشكر على رسالتك الجميلة والعميقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد لمستُ خلال سطوركَ صدق رغبتك بأن تخاطبني باللغة العبرية، وهو الشعورُ نفسهُ الذي يتملّكني دوماً : كنتُ أتمنى لو كان بامكاني أن أخاطبك بلغتك الأم، اللغة العربية، هذه اللغة التي أحببتها عن بُعد لا بناءاً على التجربة مع الأسف الشديد، إذ حاولتُ تعلّم اللغة العربية عندما كنتُ شاباً وأحببتُ القدر الكبير من التشابه بينها وبين اللغة العربية لكنني لم أتمكن من الاستمرار في تعلّمها

حقيقة فإنني لا أعلمُ من أين أبدأ، فرسالتك تتضمنُ العديد من الأمور التي يتوجّب علي الوقوف عندها والرد عليها، خاصّة تلك البداية الجميلة التي بدأتها بقصة معبّرةٍ تختزل الكثير من المعاني. إنني أشاهدُ باستمرار الطيورَ المحلّقة في سماء هذه الارض، أشاهدها حين تذهبُ وتعود وتتنقل بين جانبي الجدار، تتنقّل بحريّة بين التلّة الاسرائيلية والتلّة الفلسطينية. إنني أؤمنُ أن هذه الطيور تنظر الى الانسان بسخرية كبيرة متعجّبة من هذا الانقسام بين الأرضين والذي صنعناه  بأيدينا. إن هذه الطيورَ تذكّرنا دوماً بأننا بنهاية المطاف أرواحٌ ولسنا فقط مجرّد أجساد، وبأنه بامكاننا أن نسمو بأرواحنا معاً وجميعاً فوق جميع هذه المعيقات

وقد طرحتَ عبر رسالتك سؤالاً مهماً جداً: لماذ تتفاوض إسرائيلُ مع الدكتاتوريات العربيّة التي تفتقر لشرعيّة الشعوب؟ وهو في الحقيقة سؤالا بمنتهى الأهمية إلا أنني كنتُ أتمنى أن امتلك إجابة غيرَ هذه الإجابة: نحن نتفاوض مع هذه الدكتاتوريات لأننا ببساطة لا نمتلكُ خيارآ آخر. لطالما كنتُ أسأل أصدقائي الفلسطينيين: لماذا لم يتمكن الفلسطينيون من ايجاد خيارٍ آخر بعيدٍ كل البعد عن فساد حركة فتح وتطرّف وعنف حركة حماس؟ مع الأسف وحتى هذه اللحظة لم أتلقَ أي اجابةٍ لسؤالي

هنالك جانب آخر لهذه المسألة وهو أن صنع السلام مع الدكتاتوريات هو نمط شائعٌ في هذه المنطقة، فإسرائيل وقعت اتفاقية سلامٍ مع كل من الاردن ومصر وأنجزت السلام مع قيادات هذه الدول لا مع شعوبها، بالتالي فإن السلام الاسرائيلي المصري الاردني هو سلامٌ باردٌ هشّ مع الأسف. لكنه ورغم ذلك الا انه ما زال موجوداً منذ عقودٍ مضت، الأمر الذي يشير الى وجودٍ أمرٍ مثمر لهذه الجهود

كذلك فإنني أتفق معك في هذه النقطة وهي أن المأساة الفلسطينيّة لن تُمحى بأي شكلٍ من الأشكال، بل انها ستستمر في مطاردتنا حتى نتمكّن من التعامل معها بطريقةٍ جدّيةٍ بمعنى الكلمة، ولهذا فإنني أعتقد بأن رئيس الوزراء الاسرائيلي الحالي قد جلبَ لنا ضرراً كبيراً، حيثُ أنه من ناحيةٍ جلبَ لنا بعض النجاحاتِ التكتيكية التي قد تفيدُنا على المدى القصير، إلا أنه من ناحيةٍ ثانيةٍ أخفقَ في التعامل مع جذورِ المشكلة والأسباب الحقيقية للصراع، حيثُ أنه كسبَ نوعاً من المصداقيّة بين الرأي العام الإسرائيلي فيما يتعلّق بتقديم التنازلات للجانب الفلسطيني رغم أنه لم يفعل ذلك. ومن المثير للاهتمام هُنا أن القادة الإسرائيليين الذين قاموا فعلياً باخلاء العديد من المستوطنات لصالح الفلسطينيين ينتمون لليمين الاسرائيلي، مثل مناحيم بيغين الذي انسحب من سيناء سنة 1982 وارييل شارون الذي قام بتفكيك مستوطنات غزة سنة 2005، بالتالي كم كنت أتمنى أن يسلك نتنياهو نفس الطريق الذي سلكهُ هؤلاء، لان التاريخ سيذكره على انه شخصٌ ضيّع فرصة من فرص تحقيق السلام 

ختاماً فقد سعدت بقراءة رسالتك عزيزي عمر وسأسعد كثيراً بالبقاء على تواصلٍ معك وسماع المزيد عنك وعن حياتك فهلّا حدثّتني عن نفسك قليلاً؟

مع أجمل التحيات

يوسي كلاين هاليفي