رسالةٌ إلى جاريَ الإسرائيليّ يوسي

سنحتفلُ بالذكرى التاسعة والأربعين لمهرجان وودستوك خلال الأسابع المُقبلة ، ولربّما تتتساءلُ هنا : لماذا نعتبرُ هذا الحدثَ مهمّاً بالنسبة لنا؟ إنني أؤمنُ بأن الأميركيين الذين نشأوا في عهد وودستوك قد تأثروا بعمق وبشكل وثيق بشعار “السلام والحب والسعادة” وتلكَ الأجواء الساحرة التي رافقت تلك الحقبة ، لقد أصبحت تلكَ الحقبة متجذّرةً في نفوسنا. ، وهو أمرٌ رائعٌ طالما أنّه لا يشكل عقبةً في طريق الواقع

خلال السنة التي أمضيتها أتعلّمُ في القدس عام 1972 اعتقدَ الحاخاماتُ الإسرائيليينَ آنذاك بأن ظهور المسيحَ قد اقتربَ جدّاً ، في الوقتِ الذي كانَت العقيدةُ الجديدةُ للعالم آنذاك قائمة على شعار ” اصنعوا الحبَ لا الحربَ ” ، لقد شهدنا خلال تلكَ الفترة حُقبةً زمنيّة جديدةً بمعنى الكلمة ، كنا نرى مئاتَ الآلاف يتظاهرونَ في الشوارع رافضين الحربَ ، فيما كانَ الرعبُ الذي خلّفتهُ محرقة الهولوكوست خلفَ ظهورنا تماماً، وفي إسرائيل كنا لا زلنا مُنتشينَ بالنصر الذي أحرزناهُ خلال حربِ الأيّام الستة ، كنا نبني مستعمراتٍ يهوديّة في قلب أرضِ إسرائيلَ التوراتية ،

بينما كان السلام بيننا وبين جيراننا مجرّد حلمٍ ، فعلياً لم نأبه بأمر السلام ذاك على الإطلاق خلال تلك الفترة ، كنا تماماً كالطاووس الذي يتباهى بريشه متناسياً كلّ ما حوله! لقد كنّا جبارين لقد كنا أقوياءَ لدرجةٍ تصعبُ فيها هزيمتُنا لقد كنا متمسكّين جداً بمعتقداتِنا لقد امتلكنا جيشاً قويّاً بمعنى الكلمة ، لا أحدَ يجرؤُ على تهديدنا من الآن فصاعداً! لقد امتلكنا نظاماً مبنياً على قاعدة صلبةٍ كنا على وشك تحقيق حلم بعض الصهاينة في الوصول إلى دولةِ إسرائيلَ الكبرى!

وبعدها يمضي الوقتُ بسرعةٍ فنجلسً للتباحثِ من أجل تحقيق السلام مع جيرانِنا الفلسطينيين ، فنجلسُ حولَ طاولةِ المفاوضاتِ ، كلانا فقط بحضرةِ ووساطةِ أصدقائِنا الأمريكيين لم تكُن شخصيّة رئيسُ الوزراء أو شخصيّة الرئيس الأمريكيّ أمراً ذا أهميّة حينها كونَ المباحثات قد باءت بالفشل لم يكن باستطاعتنا إحراز أي تقدّم حينها لقد رفضونا بكافة ألوان طيفنا ، رفضوا اليمين ورفضوا اليسارَ أيضاً بغض النظر عن أي طرحٍ نتقدّم به ، ومن جديد تنندلع الانتفاضة الثانية مخلّفة وراءها آلاف القتلى الإسرائيليين نتيجةً للتحريض المستمرّ على العنف من قبل السلطة الفلسطينية ، ثمّ نتخلّى عن مستوطناتٍ غزة وننسحبُ من جانبٍ واحدٍ ،

ثم نمضي سريعاً لنصلَ إلى كتابٍ اسمه ” رسائلٌ إلى جاريَ الفلسطينيّ ” فعليّاً ، يحاول كتابكَ أن يشرح للفلسطينيين ما نقومُ به نحن الإسرائيليون والشعب اليهوديّ على هذه القطعة من الأرض ، ولماذا نمتلكُ الحقّ في الوجود هُنا ،

عزيزي يوسي ، كلانا ترعرعَ في بروكلين كأبناءٍ لآباءٍ نجوا من الهولوكوست ، كذلكَ فقد درسنا في المدرسة الدينيّة اليهوديّة نفسِها ، وكلانا انتهى به المطافُ بالعودةِ إلى إسرائيل ، وها أنا اعترفُ لكَ بأنك قد تغلّبت عليّ لمدة عشرين عاماً ، في الواقع ، وخلال عملي في إسرائيل على مدار العشرين عامًا الماضية لم يمضي عليّ يومٌ لم أتفاعل فيه مع الفلسطينيين أو العرب الإسرائيليين أو الأردنيين أو المصريين ، وفي أواخر سنة 1999 ، إن كنتَ تبحثُ عني ولم تجدني في الأردن فأنك بالتأكيد كنتَ ستجدني في جنين أو في طولكرم ، ، هذا الولدُ اليهوديّ المُتديّن القادمُ من بروكلن التقى بالعربِ لأول مرةٍ في حياته! أتعلمُ شيئاً ؟ لقد كانوا بشراً مثلنا تماماً! واذا ضغطتَ على أصابعِ قدَميْ أحدهِم فإنه يصرخُ بأعلى صوته قائلاً : آخ! لقد استضافوني في بيوتهِم والتقيتُ بعائلاتهِم كأي انسانٍ عاديّ ! فقتُ لنفسي حينها : ” لربّما يكونُ الوصولُ إلى السلام أمراً مُمكناً ” ، ثمّ اندلعَت الانتفاضة الثانية ، ولم يعد باستطاعتي الوصول إلى القرى والمناطق العربيّة ، فالأمن والأمانُ قبلَ كلّ شيء بنهاية المطاف!

عزيزي يوسي ، إنني أرى شيئاً من روح ” وودستوك ” بداخلك ، إنك تصبو للوصولِ إلى السلام لدرجة أنك تنسى أن الفلسطينيين لم يكونوا في مزرعة ياسغور ولم يكن لديهم “سلام و حبّ وسعادة” ، فثقافتهُم بنهاية المطاف شرق اوسطية وليست ثقافة أمريكيّة أو غربيّة ، وبالنسبة لهم فإن الجلوسَ حولَ طاولة المفاوضات والتنازلَ عن بعضِ الأمور في سبيلٍ تحقيق أمورٍ أخرى هو علامة من علالمات الضعفِ بنظرهِم. إنك تؤمنُ يا يوسي بأنه يتوجّبُ على كلينا أن نتنازلَ عن أمورَ عزيزة علينا وغالية على قلوبنا من أجل الوصول إلى نقطةٍ يلتقي فيها كلا الجانبان ، وهو إلى حدٍ ما قد يكونُ أمراً صحيحاً ، لكن بعد أن تنجحَ باقناع الإسرائيليين بما كتبتهُ ، فإنك ستواجهُ أمراً أكثرُ مشقة وصعوبةً : وهوَ إقناعُ الفلسطينيين بذلك !

إنني أثمّنُ عالياً مجهودكَ في هذا الكتاب ، وكل إنسان عاقلٍ سيثمّن عالياً هذا المجهود الرائع ، لكن جيراننا الذين يسكنون بجوارنا هم أناسًُ خطيرون بكلّ ما تحملهُ الكلمة من معنى ! إنني لا أطمحُ لأكثرَ من أن يترعرعَ أحفادي في هذا المكان دونما خوفٍ من شيء اسمه العرب ، لكنني لستُ بتلكَ الدرجة من التفاؤلِ حولَ الستقبل ، فالتاريخُ علّمني ألا أكونَ مُتفائِلاً دائماً ، وبينما أنا أحاولُ بشغفٍ تغيير هذا الوجه َالبائس للمستقبل ، أرى استحالة التعايش بين العرب والإسرائيليين ،

يوسي العزيز ، أكمِل ما بدأتَ به ، فما تقومُ به هوَ عملٌ في غاية الأهميّة ، لكني وبكلّ صراحة لا أمتلكُ تلك الدرجة من التفاؤل الذي تمتلكه أنت ! إنني أؤمنُ بكَ وبشدّة ، كما أؤمنُ أيضاً بأن شخصاً مثلكُ يصعبُ علينا محوهُ من ذاكرتنا ، لكن ، إذا جاءَ فعلاً ذلكَ الوقتُ الذي سيتتفهّمُ فيه الفلسطينيونَ الإسرائيليينَ ، أي الوقت الذي سيوافق فيه الفلسطينيون على التنازلِ من أجل الوصولِ إلى السلام ، أريدُك أن تتأكّد بأني سأكون أوّل إسرائيليٍ يتنازلُ عمّا هو غزيزٌ على قلبي في سبيل تحقيقِ تلكَ الغاية. ، لأني أؤمنُ بأن السلام والوئام والكرامة الإنسانية واحترام الذاتِ أهم بكثيرٍ من قطعة من الأرض ، كما أؤمنُ أيضاً بأن الشعبَ الإسرائيليّ بأكملهِ من صغيره إلى كبيرهِ يوافقني هذا الرأي ، لكننا في الوقت نفسهِ حذِرونَ جداّ ومرهقونَ جدّاً !

لهذا ، دعنا نكملُ احتفالَنا بمهرجانِ وودستوك ، ولنصلِّ جميعاً بأن يظلّ شيءٌ من روح وودستوك موجوداً على قيد الحياة ، يوسي ، إن المثابرة في عملٍ كعملكَ هوَ أمرٌ مهمّ للغاية ، لذلكَ لا تدَع أشخاصاً مثلي يضعون العصيّ في عجلتك ويثبطون من عزيمتَك ، فلطالما تطلبتُ الحضارةُ وجودَ أشخاصٍ على الهامشِ من أجلِ أن تمضي الحياةُ قُدُماً. إنكَ إنسانٌ حالمٌ ، والحالمونَ هُم أهمّ مكوّنٍ من مكوّناتِ أي مُجتمع.

ستيوارت بيليشوسكي